تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 238 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 238

238 : تفسير الصفحة رقم 238 من القرآن الكريم

** وَرَاوَدَتْهُ الّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نّفْسِهِ وَغَلّقَتِ الأبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنّهُ رَبّيَ أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنّهُ لاَ يُفْلِحُ الظّالِمُونَ
يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر, وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه, فراودته عن نفسه, أي حاولته على نفسه ودعته إليها, وذلك انها أحبته حباً شديداً لجماله وحسنه وبهائه, فحملها ذلك على أن تجملت له وغلقت عليه الأبواب ودعته إلى نفسها, {وقالت هيت لك} فامتنع من ذلك أشد الامتناع, و{قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي} وكانوا يطلقون الرب على السيد الكبير, أي إن بعلك ربي أحسن مثواي أي منزلى, وأحسن إلي فلا أقابله بالفاحشة في أهله {إنه لا يفلح الظالمون}, قال ذلك مجاهد والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم. وقد اختلف القراء في قوله: {هيت لك} فقرأه كثيرون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء, وقال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: معناه أنها تدعوه إلى نفسها. وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس: هيت لك, تقول هلم لك, وكذا قال زر بن حبيش وعكرمة والحسن وقتادة. قال عمرو بن عبيد عن الحسن: وهي كلمة بالسريانية, أي عليك. وقال السدي: هيت لك, أي هلم لك, وهي بالقبطية. وقال مجاهد: هي لغة عربية تدعوه بها. وقال البخاري: وقال عكرمة: هيت لك, أي هلم لك بالحورانية. وهكذا ذكره معلقاً.
وقد أسنده الإمام جعفر بن جرير: حدثني أحمد بن سهل الواسطي, حدثنا قرة بن عيسى, حدثنا النضر بن عربي الجزري عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله: {هيت لك} قال: هلم لك, قال: هي بالحورانية, وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: وكان الكسائي يحكي هذه القراءة, يعني هيت لك, ويقول: هي لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز, ومعناها تعال. وقال أبو عبيدة: سألت شيخاً عالماً من أهل حوران, فذكر أنها لغتهم يعرفها, واستشهد الإمام ابن جرير على هذه القراءة بقول الشاعر لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه:
أبلغ أمير المؤمنــين أذى العراق إذا أتينا
إن العراق وأهلهعنق إليك فهيت هيتا
يقول: فتعال واقترب, وقرأ ذلك آخرون هئت لك بكسر الهاء وبالهمز وضم التاء, بمعنى تهيأت لك من قول القائل هئت بالأمر أهيء هئة, وممن روى عنه هذه القراءة: ابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو وائل وعكرمة وقتادة, وكلهم يفسرها بمعنى تهيأت لك. قال ابن جرير: وكان أبو عمرو والكسائي ينكران هذه القراءة, وقرأ عبد الله بن إسحاق: هيت بفتح الهاء وكسر التاء, وهي غريبة, وقرأ آخرون منهم عامة أهل المدينة هيت بفتح الهاء وضم التاء, وأنشد قول الشاعر:
ليس قومي بالأبعدين إذا ماقال داع من العشيرة هيت
قال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري, عن الأعمش, عن أبي وائل, قال: قال ابن مسعود وقد سمع القراء: سمعتهم متقاربين, فاقرءوا كما علمتم, وإياكم والتنطع والاختلاف, وإنما هو كقول أحدكم: هلم وتعال. ثم قرأ عبد الله: هيت لك, فقال: يا أبا عبد الرحمن إن ناساً يقرءونها هيت. قال عبد الله: أن أقرأها كما علمت أحب إليّ. وقال ابن جرير: حدثني ابن وكيع, حدثنا ابن عيينة عن منصور, عن أبي وائل, قال: قال عبد الله: هيت لك, فقال له مسروق: إن ناساً يقرءونها: هيت لك, فقال: دعوني فإني أقرأ كما أقرئت, أحب إليّ, وقال أيضاً: حدثني المثنى, حدثنا آدم بن أبي إياس, حدثنا شعبة عن شقيق, عن ابن مسعود, قال: هيت لك بنصب الهاء والتاء, ولا نهمز. وقال آخرون: هيت لك بكسر الهاء, وإسكان الياء, وضم التاء. قال أبو عبيد معمر بن المثنى: هيت لا تثنى, ولا تجمع, ولا تؤنث, بل يخاطب الجميع بلفظ واحد, فيقال: هيت لك, وهيت لكم, وهيت لكما, وهيت لكن, وهيت لهن.

** وَلَقَدْ هَمّتْ بِهِ وَهَمّ بِهَا لَوْلآ أَن رّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السّوَءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ
اختلفت أقوال الناس وعباراتهم في هذا المقام, وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وطائفة من السلف في ذلك ما رواه ابن جرير وغيره, والله أعلم. وقيل: المراد بهمه بها خطرات حديث النفس, حكاه البغوي عن بعض أهل التحقيق, ثم أورد البغوي ههنا حديث عبد الرزاق عن معمر, عن همام, عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة, فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها, وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة, فإنما تركها من جرائي, فإن عملها فاكتبوها بمثلها», وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة هذا منها. وقيل: هم بضربها. وقيل: تمناها زوجة. وقيل: هم بها لولا أن رأى برهان ربه أي فلم يهم بها, وفي هذا القول نظر من حيث العربية, حكاه ابن جرير وغيره. وأما البرهان الذي رآه ففيه أقوال أيضاً, فعن ابن عباس وسعيد ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة وأبي صالح والضحاك ومحمد بن إسحاق وغيرهم: رأى صورة أبيه يعقوب عليه السلام عاضاً على أصبعه بفمه. وقيل عنه في رواية: فضرب في صدر يوسف. وقال العوفي عن ابن عباس: رأى خيال الملك يعني سيده, وكذا قال محمد بن إسحاق فيما حكاه عن بعضهم: إنما هو خيال قطفير سيده حين دنا من الباب.
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب, حدثنا وكيع عن أبي مودود, سمعت من محمد بن كعب القرظي. قال رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت, فإذا كتاب في حائط البيت {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيل}, وكذا رواه أبو معشر المدني عن محمد بن كعب. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني نافع بن يزيد, عن أبي صخر, قال: سمعت القرظي يقول: في البرهان الذي رآه يوسف ثلاث آيات من كتاب الله {إن عليكم لحافظين} الاَية, وقوله: {وما تكون في شأن} الاَية, وقوله: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} قال نافع: سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي, وزاد آية رابعة {ولا تقربوا الزن}. وقال الأوزاعي رأى آية من كتاب الله في الجدار تنهاه عن ذلك. قال ابن جرير: والصواب أن يقال: إنه رأى آية من آيات الله تزجره عما كان هم به, وجائز أن يكون صورة يعقوب, وجائز أن يكون صورة الملك, وجائز أن يكون ما رآه مكتوباً من الزجر عن ذلك, ولا حجة قاطعة على تعيين شيء من ذلك, فالصواب أن يطلق كما قال الله تعالى. وقوله: {كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء} أي كما أريناه برهاناً صرفه عما كان فيه, كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره: {إنه من عبادنا المخلصين} أي من المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار, صلوات الله وسلامه عليه.

** وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصّادِقِينَ * فَلَمّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنّهُ مِن كَيْدِكُنّ إِنّ كَيْدَكُنّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ
يخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب: يوسف هارب, والمرأة تطلبه ليرجع إلى البيت, فلحقته في أثناء ذلك فأمسكت بقميصه من ورائه, فقدّتْه قداً فظيعاً, يقال: إنه سقط عنه واستمر يوسف هارباً ذاهباً, وهي في أثره, فألفيا سيدها وهو زوجها عند الباب, فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها, وقالت لزوجها متنصلة وقاذفة يوسف بدائها {ما جزاء من أراد بأهلك سوء} أي فاحشة {إلا أن يسجن} أي يحبس, {أو عذاب أليم} أي يضرب ضرباً شديداً موجعاً. فعند ذلك انتصر يوسف عليه السلام بالحق, وتبرأ مما رمته به من الخيانة, و{قال} باراً صادقاً {هي راودتني عن نفسي} وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدت قميصه {وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قدّ من قبل} أي من قدامه {فصدقت} أي في قولها إنه راودها عن نفسها, لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره, فقدّت قميصه فيصح ما قالت {وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين} وذلك يكون كما وقع لما هرب منها وتطلبته, أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها فقدت قميصه من ورائه, وقد اختلفوا في هذا الشاهد: هل هو صغير أو كبير ؟ على قولين لعلماء السلف, فقال عبد الرزاق, أخبرنا إسرائيل عن سماك, عن عكرمة, عن ابن عباس {وشهد شاهد من أهله} قال ذو لحية, وقال الثوري, عن جابر, عن ابن أبي مليكة, عن ابن عباس: كان من خاصة الملك, وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم: إنه كان رجلاً. وقال زيد بن أسلم والسدي: كان ابن عمها. وقال ابن عباس: كان من خاصة الملك. وقد ذكر ابن إسحاق أن زليخا كانت بنت أخت الملك الريان بن الوليد.
وقال العوفي عن ابن عباس في قوله {وشهد شاهد من أهله} قال: كان صبياً في المهد, وكذا روي عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم أنه كان صبياً في الدار, واختاره ابن جرير: وقد ورد فيه حديث مرفوع فقال ابن جرير: حدثنا الحسن بن محمد, حدثنا عفان, حدثنا حماد هو ابن سلمة, أخبرني عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تكلم أربعة وهم صغار» فذكر فيهم شاهد يوسف, ورواه غيره عن حماد بن سلمة, عن عطاء, عن سعيد, عن ابن عباس أنه قال «تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون, وشاهد يوسف, وصاحب جريج, وعيسى ابن مريم». وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد: كان من أمر الله تعالى, ولم يكن إنسياً وهذا قول غريب.
وقوله: {فلما رأى قميصه قدّ من دبر} أي لما تحقق زوجها صدق يوسف وكذبها فيما قذفته ورمته به {قال إنه من كيدكن} أي إن هذا البهت واللطخ الذي لطخت عرض هذا الشاب به من جملة كيدكن {إن كيدكن عظيم}, ثم قال آمراً ليوسف عليه السلام بكتمان ما وقع {يوسف أعرض عن هذ} أي اضرب عن هذا صفحاً, أي فلا تذكره لأحد.
{واستغفري لذنبك} يقول لامرأته وقد كان لين العريكة سهلاً أو أنه عذرها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه فقال لها: استغفري لذنبك أي الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب ثم قذفه بما هو بريء منه {إنك كنت من الخاطئين}.